الشّباب العربيّ ما بين مطرقة الواقع وسِندان الطموح
د. ريما الدياب- فينكس
تعد هجرة الفئة العمرية الشابة التي تشكّل القلب النابض للمجتمع العربي قضية مهمّة باتت تشغل مجتمعاتنا العربية، وتمثل إشكالية جوهرية فحواها هجرة الفئة العمرية الشابة التي تشكّل القلب النابض للمجتمع العربي، ففي ظلّ ما تشهده المجتمعات العربيّة من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية متردية، وفي ظلّ واقع مأساوي أليم، وظلام دامس شهدته أغلب الدول العربية، تعلو صرخة ألم الشباب في وجه مجتمع لا يتناسب مع طموحاتهم، مجتمع لا يمنحهم ما يستحقون، فباتوا بين مطرقة واقع ضاعت فيه الآمال والأمنيات، وبين سِندان التكنولوجيا والانفتاح العالمي الذي يتوافق مع طموحاتهم، فها هم يقفون اليوم ما بين أمرين أحلاهما مر، وفق طريق حاسم، يحمل في طياته تحولات فارقة بين مجتمع فرض عليهم الخِناق وسلبهم حقوقهم من عمل واستقرار، فوجدوا أنفسهم بين مطرقة الظلم وسندان مجتمع غربي فتح أمامهم الأفق لتلبية أحلامهم وطموحاتهم، ومن هنا شهدت مجتمعاتنا العربية ظاهرة لم تشهدها من قبل بتزايد أعداد المهاجرين سواء أكان هذا الانتقال طوعيا أم قسريا، للهروب من واقع مرير والبحث عن حياة كريمة تلبي حاجاتهم وتتناسب مع آمالهم.
بين مؤيد ومعارض
يظن بعض الشباب أنّ الهجرة هي الحلّ لمأساتهم وتلبية لطموحاتهم، إلا أنّها في واقع الأمر ليست إلا فقدان الانتماء لوطنهم الأم، وفرض التعايش في بلاد تسخرهم وتذلّهم في أغلب الأحيان، فهم يقعون في مصيدة لا يكشفونها إلا عندما يرحلون، فيشعرون بالغربة في بلاد لا تشبه وجه بلادهم، فيعانون الوحدة التي تترك آثارها في نفوسهم وعقولهم، بحيث يعيشون حياة عملية تفقد العاطفة، ويتحولون إلى آلة عمل يسخرها الغرب لخدمتهم، ربما يجدون المال ولكن المال لن يعوضهم عن أرضهم وأهلهم، فضلا عن عدم الانسجام والانخراط بعادات وتقاليد الغرب، ولا بدّ أن نشير إلا أن بعض الدارسين رأى "أن الهجرة ليست سلوكا تخريبيا يجب قمعه، بل استجابة بيولوجية منقذة للحياة للتغير البيئي وضرورة متل التنفس"، فكانت الهجرة حسب ذلك المنظور ليست مصدرا للخوف بل باعثا للأمل.
ولقد انقسم المفكرون إلى مؤيد لفكرة الهجرة ومعارض لها لما تشكله من خيبة أفق التوقع لدى الشباب، لأنّ الواقع في أغلب الأحيان يخالف طموحاتهم وآمالهم التي رسموها، إذ ظنّوا أنّهم ينتقلون إلى حياة الرفاهية والعيش بكرامة، ولكن خابت طموحاتهم في واقع مأساوي، إذ وجدوا أنفسهم مجرد أدوات بما امتلكوه من كفاءات وشهادات، وقد تحدث ميخائيل رستم صاحب أول كتاب بالعربية عن الهجرة إلى أميركا الشمالية في العام 1895، يرد على الاتهامات والدعاوى التي يبثها أبناء وطنه ممن يعارضون السفر إلى أمريكا أو يعتقدون أن من يهاجر إليها يفقد أخلاقه الشرقية فيقول: "المهاجرة ليست إلا أمرا طبيعيا في البشر يسوقهم إليها ابتغاء الرزق وسعة العيش، ولولا ذلك لما انتشر العمران في الأرض، فقد اضطر آدم أن يهجر الجنة إلى الأرض ليعمل فيها، وكذا تفرق أولاد نوح الثلاثة كلّ إلى ناحية من اليابسة، فاستقر سام في آسيا وارتحل حام إلى إفريقية، ويافث إلى أوروبا، ولو كان لهم أخ رابع لسبق كولومبس إلى أمريكا. فاعتمد في كتابته على بداية الخليقة، كما يعود ليتحدث عن الفينيقيين ويشير إلى أنّ هجرتهم كانت للاكتشاف والمغامرة، ومن هنا كان دافع الهجرة أمرًا طبيعيًا عند أغلب الدارسين.
الأدب استشرف وحذر
حارب غسان كنفاني الهجرة وحذّر منها في كتاباته، وبذلك كان للأدب دوره الخاص من خلال الاستشراف والتحذير من الهجرة، فمن خلال الأدب وهو الذي يحمل في طياته رسائل إنسانية عدة يستطيع الكاتب تسليط الضوء على آثار الهجرة ونتائجها، لأن الكاتب ينقلنا إلى عالم يجمع فيه ما بين الواقع والخيال، وهو المحبب للنفس البشرية، ليتحدث عن آثار الهجرة، وإلقاء الضوء على البلاد التي كانت مصيدة للفكر العربي لما تسرقه من أحلام وآمال، وهذا ما تناوله الدكتور طالب عمران في رواية “ممرات الرعب”، إذ وضّح من خلال الرواية مخاطر الهجرة وهدف الغرب في تحويل الإنسان العربي إلى حقل تجارب يخضع لها، كما تحدث عن تجارة الأعضاء وكيف كانت الهجرة بابًا لسلب العقول، إذ تطالب بالتخلي عن المبادئ والقيم، ومن هنا كان للأدب دوره الفاعل في توعية الشباب وتوجيه رسالة تحذيرية من المصير المجهول.
كما تحدّث يوسف زيدان في رواية عزازيل –عن سبب هجرة الشباب ، بحيث سلط الضوء على قضية مهمة، وهي الاغتراب الداخلي، فقدمت الرواية نموذجًا رمزيًا عن الهجرة الفكرية والنفسية للبحث عن الذات، وذلك من خلال شخصية الراهب هيبا الذي هاجر بسبب الاغتراب الداخلي فانتقل من مكان إلى مكان للبحث عن السلام الروحي، وهذا يمثل حال الشباب الذين يهاجرون للبحث عن أنفسهم ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية، بل بسبب الاغتراب الثقافي، والانقسامات المجتمعية، كما أكّد فيما كتب أنّ الهجرة ترتبط بالبحث عن وطن يجدون فيه فضاءً حرًّا للتعبير أو التفكير، ومن خلال ما كتب حذّر من مخاطر التقييد الفكري الذي فرض على الشباب في مجتمعاتنا.
ولعلّ أغلب الكتّاب والمثقفين اهتموا بتسليط الضوء على الأسباب متناسين الحلول التي تحدّ من موضوع الهجرة ، ولكن بمجرد توضيح الأسباب التي تدفع للهجرة من المؤكد أن الحلّ هو معالجة هذه الأسباب وفتح المجال للحوار والنقاش لمشاركة الفئة الشابة في مجتمعاتهم وتوعيتهم من خلال مشاركتهم في مجالات الحياة العملية والعلمية وتنمية المهارات وتوفير الجو المناسب للتطوير من خلال تقديم الدعم المالي والمعنوي لهم.
البدائل والحلول
ومن أهم الحلول للحدّ من الهجرة هو توفير الأمن والاستقرار ، ووضع برامج ممنهجة لاستقطاب المهاجرين وإعادتهم إلى وطنهم وذلك باعتماد الكفاءات العلمية والعربية المهاجرة وفتح الفرص للمشاركة السياسية والمجتمعية وممارسة حقوقهم وتعزيز الأمن الإنساني.
كما يجب وضع برامج تحفيزية تنمي مواهب الطفل وتحترم العقول الشابة بعيدا عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب وفق بيئة تحضن المواهب لبناء العقل السليم في بيئة معافاة ومجتمع متطور، ودعم التعليم والتربية الصحيحة من الأسرة إلى المدرسة، وكلّ ذلك يرتبط بتحقيق الاستقرار والأمن ضمن المجتمع ليتمكن الشاب من الاستقرار النفسي.
ومن أهم ما يحتاجه شباب اليوم محاربة البطالة من خلال توفير فرص العمل ومراعاة كل المهن، وتأمين حياة كريمة، والتشجيع على المساهمة في بناء المجتمع من خلال الإمكانيات التي يتم تطويرها ضمن برامج خاصة توعوية وتثقيفية.
ولابد من التأكيد في النهاية على أنّ المجتمعات العربية خسرت الكثير بسبب هجرة شبابها، وما زالت هي الخاسر الوحيد، إذ "ازدادت هجرة الشباب العربي في الأزمنة الحديثة وأضحت إشكالية حقيقية وهي اليوم منوطة بتطور وانفتاح الدول العربية، وتحقيق بدائل عن الهجرة، وتوفير كل ما يحتاجه الشاب في وطنه، ليعيش منسجمًا في بلد يحترم العقول والكفاءات مع أهمية زرع بذور الوعي بين الشباب لتعزيز فكرة الانتماء للوطن، لأنّ هذا الوطن هو لنا ولا يمكننا التخلي عنه مهما اشتدت الأمور.