كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

سجن المزة العسكري في ذكرى إغلاقه

علاء الدين تلجبيني

حدث في سورية في 13 أيلول/سبتمبر 2000

أُغلق سجن المزة العسكري وأُفرغ من نزلائه، ونُقل من بقي من المعتقلين إلى سجون أخرى، ولا سيما صيدنايا. وبعد ذلك أُعلن عن قرار بتحويل مبنى السجن إلى معهد للعلوم التاريخية والأثرية.

يقع سجن المزة على هضبة مرتفعة تطل على مدينة دمشق، بالقرب من الجبل الذي شُيّد عليه لاحقاً قصر الشعب. ويصف منذر الموصلي قِدم موقعه بقوله إنه يعود إلى «أيام الفرنجة»، وإن الوصول إليه قديماً كان يتم «بالبغال». أما بناء السجن العسكري فيعود إلى عهد الانتداب الفرنسي، حين استخدمه الفرنسيون سجناً تأديبياً للعسكريين والفارين من الخدمة، قبل أن يكتسب شهرته السياسية بعد انقلاب حسني الزعيم سنة 1949.

لكن شهرة المزة كسجن سياسي ارتبطت بصورة أساسية بعهد الانقلابات الذي بدأ سنة 1949.

فبعد انقلاب حسني الزعيم دخلت إليه شخصيات كانت قبل ساعات فقط في أعلى هرم الدولة، ومنذ ذلك الحين أصبح السجن شاهداً على واحدة من أكثر مفارقات السياسة السورية قسوة:

فمن اعتلى أعلى مراتب السلطة قد يجد نفسه، بعد انقلاب واحد، خلف جدرانه، ومن خرج من ظلمة زنزانته قد يعود إلى أضواء السلطة من جديد.

حتى إن تاريخ المزة عرف حالات أصبح فيها السجّان سجيناً، والسجين سجّاناً.

ويختصر منذر الموصلي، الذي أمضى خمس سنوات في السجن، هذه المفارقة بقوله عن تبادل الأدوار بين سجناء المزة وسجانيه:

«وأنا واحد منهم».

وكان خالد بك العظم من أوائل وأشهر السياسيين الذين دخلوا المزة بعد انقلاب حسني الزعيم سنة 1949، قبل نقله إلى المستشفى العسكري حيث كان الرئيس شكري القوتلي محتجزاً.

ودخل السجن، في مراحل مختلفة، عدد ممن تولوا رئاسة الجمهورية، بينهم ناظم القدسي ولؤي الأتاسي وأمين الحافظ ونور الدين الأتاسي، كما دخله حافظ الأسد سنة 1962حيث جمعته الزنزانة الانفرادية رقم واحد مع صلاح جديد، قبل وصوله إلى الرئاسة. ودخله أيضاً قائد الانقلاب الثاني الزعيم سامي الحناوي مع عدد من رفاقه العسكريين.

ومن أبرز من مرّوا به من رؤساء الحكومات وقادة الأحزاب: خالد العظم، معروف الدواليبي، صبري العسلي، يوسف زعين، مأمون الكزبري، أكرم الحوراني، صلاح الدين البيطار، ميشيل عفلق، رشدي الكيخيا، عصام المحايري، جولييت المير، صلاح جديد، يوسف فيصل، محمد عمران وأحمد سويداني، إضافة إلى سعيد حوى وعدد كبير من الشيوعيين والبعثيين والقوميين السوريين والناصريين والإسلاميين.

ومن النواب والسياسيين الذين مرّوا به: لطفي الحفار، جلال السيد، مصطفى الزرقا، فيضي الأتاسي، عوض بركات، حنين صحناوي، سهيل الخوري، فيصل العسلي، عبد الوهاب حومد، مروان حبش، الأمير حسن الأطرش ومنصور الأطرش.

ولم تقتصر الاعتقالات دائماً على الأفراد؛ ففي بعض الانقلابات امتلأت زنازين المزة بأعضاء حكومات وكتل سياسية وعسكرية كاملة تقريباً، فاجتمع داخله في الوقت نفسه رؤساء حكومات سابقون ووزراء ونواب وضباط وقادة أحزاب، في صورة تكاد تختصر الحياة السياسية السورية خارج أسواره.

ومن أغرب القصص المرتبطة بالسجن قصة عبد الوهاب حومد، الذي كان مكلّفاً بتسيير أعمال وزارة المعارف سنة 1951، فكان يوقّع شهادات التخرج الجامعية وهو معتقل داخل سجن المزة.

ولم يقتصر نزلاء المزة على السوريين، بل ضم معتقلين سياسيين عرباً من لبنان والعراق والأردن وفلسطين، ومن أشهرهم ياسر عرفات وخليل الوزير «أبو جهاد»، اللذان اعتُقلا في سورية سنة 1966.

ومن ضباط الجيش والأمن الذين مرّوا بالسجن عدنان المالكي، عبد الحميد السراج، عبد الكريم زهر الدين وجاسم علوان ابراهيم الحسني و سامي جمعة ، كما دخل زنزاناته أدباء ومثقفون، من أبرزهم محمد الماغوط وأدونيس.

وشهد السجن أيضاً محاكمات عسكرية ارتبطت بأحداث سياسية دامية. فبعد محاولة الانقلاب التي قادها العقيد جاسم علوان في 18 تموز/يوليو 1963، شُكّل مجلس عرفي برئاسة المقدم صلاح الضللي، وباشر جلساته داخل سجن المزة في اليوم التالي. وأصدر أحكاماً بالإعدام رمياً بالرصاص على عدد من العسكريين والمدنيين المشاركين في المحاولة.

وللسجن قصة إغلاق أقدم من إغلاقه النهائي بنحو 36 عاماً.

فبحسب شهادة منذر الموصلي لصحيفة «السفير»، كان الرئيس أمين الحافظ قد وجّه سنة 1964 مذكرة تقضي بإغلاق سجن المزة وتحويله إلى كازينو.

وبالفعل، أُفرغ السجن حينها من نزلائه وبُيّضت جدرانه، وكأن صفحة المزة قد طُويت.

لكن الأحداث السياسية التي شهدتها سورية بعد ذلك أعادت فتح أبوابه، فعاد السجن إلى وظيفته القديمة، واستقبل أجيالاً جديدة من المعتقلين.

ومن المفارقات أن الموصلي نفسه، الذي كان مديراً لمكتب أمين الحافظ عندما صدرت مذكرة إغلاق السجن، أصبح لاحقاً أحد نزلائه وأمضى فيه خمس سنوات.

وفي السجن أُعدم الرائد سليم حاطوم والرائد بدر جمعة رمياً بالرصاص فجر 24 حزيران/يونيو 1967، فيما قضى فيه مروان حديد، أحد أبرز مؤسسي الطليعة المقاتلة.

وكان ناظم القدسي من السياسيين الذين تكررت تجاربهم مع الاعتقال؛ فسُجن في عهد الشيشكلي، ثم اعتُقل عقب انقلاب 28 آذار/مارس 1962 قبل أن يعود إلى منصبه رئيساً للجمهورية، ثم اعتُقل مجدداً عقب انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963.

أما إحدى أطول حالات الاعتقال في تاريخ سجن المزة فكانت للضابط مصطفى فلاح، المؤيد لبعث العراق، الذي دخل السجن سنة 1971 وحُكم عليه بخمسة عشر عاماً، لكنه بقي معتقلاً حتى مطلع سنة 1998، أي نحو سبعة وعشرين عاماً.

وعرف السجن أيضاً اثنتين من أشهر عمليات الهروب في تاريخه.

كانت الأولى للضابط القومي السوري محمود جميل نعمة، الذي اعتُقل سنة 1956 على خلفية ما عُرف بـ«المؤامرة العراقية»، وتمكن من الفرار أواخر سنة 1957.

أما الثانية، والأكثر إثارة، فكانت هروب عبد الحميد السراج، رجل المخابرات القوي في عهد الوحدة السورية المصرية.

حيث جرت عملية سرية لإخراجه من سجن المزة ارتبطت بتوجيهات الرئيس جمال عبد الناصر وشبكة من المتعاونين السوريين واللبنانيين، وكان للزعيم اللبناني كمال جنبلاط دور في تأمين انتقاله داخل لبنان، قبل وصوله إلى مصر.

أما بناء السجن فكان يتألف من طابقين ويضم عدداً من المهاجع والزنازين، ويتميز بموقع مرتفع يطل على دمشق.

ومن المفارقات أن منذر الموصلي، بعد أن أمضى فيه خمس سنوات، رأى أن موقعه من الناحية الصحية من أفضل المواقع، وقال مازحاً إنه يصلح لأن يتحول إلى «فندق خمس نجوم ناجح».

لكن خلف ذلك الموقع المطل على دمشق كانت توجد زنازين من نوع آخر.

من أشهرها زنزانة عُرفت باسم «الطومبو» أو «القبر»، بطول يقارب مترين وعرض نحو ثمانين سنتيمتراً، دون مرافق صحية، وكانت مخصصة أساساً لسجين واحد، وإن كان يُزج فيها أحياناً أكثر من معتقل.

وعلى جدران المكان كانت تُكتب شعارات من قبيل:

«أنا بعث وليمت أعداؤه... عربي عربي عربي».

وعلى جدار آخر:

«السجن: إصلاح، تهذيب، تقويم».

لكن مذكرات من عاشوا خلف تلك الجدران تركت وصفاً مختلفاً تماماً.

وقد نُشرت مذكرات وشهادات عديدة تناولت الحياة داخل سجن المزة، منها:

«30 يوماً في سجن المزة: ذكريات سوداء من العهد الأسود» لنهاد الغادري،

و«من وراء القضبان في سجن المزة وقلعة دمشق» لمحمد عزة دروزة،

و«من ضيافة صدام إلى سجن المزة» للعميد الركن فؤاد عون،

و«الجلاد: عشرة أيام في سجن المزة» لجورج كسّاب.

كما تحدث خالد العظم مطولاً في مذكراته عن تجربته في السجن بعد انقلاب 28 آذار/مارس 1962.

وكانت التجربة قاسية عليه إلى درجة أنه لجأ لاحقاً إلى حيلة استثنائية: أجّر الطابق السفلي من منزله للسفارة التركية حتى يستطيع اللجوء إليها إذا وقع انقلاب جديد وخشي الاعتقال مرة أخرى. وهو ما حدث بالفعل.

فعندما وقع انقلاب الثامن من آذار/مارس 1963، لجأ خالد العظم إلى السفارة التركية، لينجو هذه المرة من العودة إلى زنزانات المزة.

وفي صيف سنة 2000 بدأت عملية نقل المعتقلين من السجن إلى أماكن أخرى، وفي 13 أيلول/سبتمبر أُفرغ السجن وأُغلق، ونُقل آخر نزلائه إلى سجون أخرى، ولا سيما صيدنايا.

وبعد ذلك أُعلن عن قرار يقضي بتحويل المبنى إلى معهد للعلوم التاريخية والأثرية.

وبعد عقود من محاولات الإغلاق وإعادة الاستخدام، أُسدلت الستارة أخيراً على سجن أصبح اسمه جزءاً من تاريخ الانقلابات والحياة السياسية السورية.

كان المزة سجناً تختصر جدرانه تقلبات السياسة السورية: دخله رؤساء ووزراء وضباط ومعارضون، وتبدلت داخله الأدوار مرات عديدة؛ سجناء أصبحوا حكاماً، وحكام أصبحوا سجناء، وسجّانون عادوا إليه نزلاء.

لكن إغلاق أبوابه لم يكن نهاية قصة السجون السياسية في سورية؛ فبينما انتهت حكاية سجن ارتبط اسمه بعصر الانقلابات، كان بعض نزلائه يُنقلون إلى سجن آخر سيصبح لاحقاً اسماً أشد قتامة في تاريخ سورية: سجن صيدنايا.

بعض من تعاقبوا على إدارة السجن:

الرقيب الأول عزة/عزت حسين، الذي ترد عنه أوصاف شديدة القسوة في شهادات بعض من عاصروا السجن.

عبد المجيد جمال الدين، وفي عهده اكتظ السجن بالقوميين السوريين، ومن بعدهم الشيوعيين.

الملازم أول طاهر سلطان (1963–1966)، وشهدت نهاية عهده اعتقال الرئيس أمين الحافظ.

العقيد رسمي العيد، الذي تولى إدارة السجن من أواخر الستينيات/بداية السبعينيات حتى نحو سنة 1976، وشهد عهده اعتقال عدد من رفاق حافظ الأسد السابقين بعد الحركة التصحيحية.

العقيد بهجت الصالح، الذي خلف رسمي العيد وبقي مديراً حتى سنة 1991.

العقيد بركات العش، الذي تولى الإدارة من سنة 1991 حتى إغلاق السجن سنة 2000

حقائق غائبة عن تاريخ والدي الرئيس الشهيد أديب الشيشكلي
سجن المزة العسكري في ذكرى إغلاقه
قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة عن سوريا إلى الدورة العادية الثامنة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان بتاريخ 8 أيلول 2026
بحث الكتلة الوطنية السورية في مجزرة العام 1860م في سوريا.. "المجزرة التي غيرت تاريخ سوريا"
من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات
في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان
القصة شبه الكاملة لاغتيال اللواء محمد عمران
كوميديا المأساة.. لقاء السجين مع السجان
مزارعو الحقد والحوراني وجهاً لوجه
استعادة.. بمناسبة صدور الجزء الأول من مذكراته عبد الحليم خدّام حين اتهمَنَا.. بالعَمَالة!
حين تضيق الحياة.. حكايات من سجن المزة
عام 1965م بذور الخلاف بين القيادتين القومية والقطرية للبعث في سوريا
الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيل الشهيد اللواء صلاح جديد
بعض ما كتبه اللواء صلاح جديد وهو في سجنه عن الوحدة العراقية السورية، ننشره في ذكرى استشهاده
أيام الزنزانة "السيلول رقم 3".. حُكمٌ بالموت البطيء