بحث الكتلة الوطنية السورية في مجزرة العام 1860م في سوريا.. "المجزرة التي غيرت تاريخ سوريا"
طوشة 1860 في دمشق
ما هي هذه "الطوشة"؟ لقد تآمر الغرب، ممثّلاً بالقناصل الغربيين، وخاصة قنصل فرنسا، مع السلطة العثمانية من أجل افتعال المذابح ضد صنّاع الحرير السوري لتهجيرهم، وهم الذين كانوا ممسكين بصناعة الحرير وتجارته في أغلبيتها. تمّ جلب غوغاء من داخل دمشق وخارجها، ودُفِعَت لقادتهم من "قبضايات الحارات سيئي السمعة" أموال طائلة، وصلت إليهم عن طريق العثمانيين، من شركات الحرير الفرنسية وغيرها، وطُلِب منهم، باسم "الدين"، ذبح دمشقيي القيمرية، وهي الجزء الصناعي والتجاري الهام من الحي المسيحي في دمشق، والتي كانت تدعى " الهند الصغرى" لِما فيها من حرير متنوّع قد لا يجد له المرء مثيلاً، وكله من الصناعة السورية الفاخرة. وهكذا كان... استُبيحَت القيمرية استباحة رهيبة: تدمير كامل للبنى التحتية وإحراق لورشات صناعة الحرير... ذبح للحرفيين وللتجار العاملين في صناعة الحرير، وسرقة لأموالهم وسبي لنسائهم وتفكيك لورشاتهم من أجل سرقتها ومن ثم إحلال الغرباء مكانهم، وتحويل ورشاتهم في ما بعد إلى دكاكين صغيرة لتصريف البضائع الغربية.
"(...)، مطلع تموز 1860، اندلعت أحداث دمشق من دون مبرّر، إذ إن المسيحيين الدمشقيين كانوا مسالمين وعزّل. وهوجمت الأحياء المسيحيّة نهار الاثنين 9 تموز، وبدأ النهب والحرق والتقتيل؛ ويقدّر عدد القتلى بعشرة آلاف مسيحي من أصل 35 ألفاً.
في اليوم الذي أُعلِن فيه عقد الصلح في لبنان، حدثت فتنة في دمشق... نهار الاثنين 9 تموز الساعة الثانية بعد الظهر، هوجمت أولاً دار قنصل روسيا ثمّ أُضرمت النار في بيوت كبار تجّار المسيحيين... إن الشوارع ممتلئة بالمتعصّبين وهم يصرخون دائماً ’ اقتلوا المسيحيين، أقدموا فقد سُمِح لنا بذبحهم، لا تُبقوا على أحد’.
لقد قام [بهذه المذابح] أناسٌ أعماهم التعصّب والبغض، وشجّعهم على عملهم المجرم الحاكم التركي أحمد باشا... في 26 تموز وصل نبأ مذابح دمشق إلى باريس، فأمرت الحكومة بإرسال 7000 جندي إلى بيروت.
وأرسلت الحكومة وزير خارجيتها فؤاد باشا ليتدارك الأمر وأنزل العقاب بمائة وأحد عشر ضابطاً وجنديّاً عثمانيّاً بتهمة الاشتراك بالمذابح والإهمال بتأدية الواجب، كما أنزل بالمئات من الدمشقيين أحكاماً تتراوح بين الإعدام والسجن والنفي. عقب أحداث العام 1860 نزح عدد كبير من المسيحيين... بسبب تخوّفهم".( ديك، أغناطيوس (الأرشمندريت)، مسيحيّو حلب و"الخط الهمايوني" و"قومة البلد" و"أحداث 1860"، منشور في كنيسة القديسة تيريزا – حلب، [د.ت.]).
شارك الوالي العثماني وجنده في دمشق في عمليات القتل والنهب والحرق. وتمّ، في أثناء هذه الطوشة، قتل بعض أفراد البعثات الأجنبية، مثل القنصل الأميركي والهولندي.
"(...). وُجِّهَت إليه [والي دمشق أحمد باشا عزّت] عدّة تهم إضافية، منها التخاذل في إرسال القوّات المناسبة إلى الحيّ المسيحي، والإبقاء على نخبة من الجنود النظاميين، الذين كان عددهم في دمشق 1500 يومها، لحماية داره" (مبيّض، سامي مروان، نكبة نصارى الشام: أهل ذمّة السلطنة وانتفاضة ١٨٦٠، دار رياض الريّس، 2021، ص 102).
مع أنه كان بإمكانه حماية الحيّ المسيحي الدمشقي بخمسين عنصراً.
النتائج السياسية والاقتصادية للطوشة
من النتائج السياسية المباشرة لهذه الطوشة، تمّ، في العام 1861، تشكيل نظام جديد، فُصِلَ فيه لبنان عن سورية وأصبح حكمه على شكل متصرّفية تحت سيطرة حاكم مسيحي يعيّنه السلطان العثماني بموافقة القوى الأوروبية، ويعاونه مجلس إداري مكوَّن من اثني عشر عضواً من مختلف الطوائف الدينية في لبنان.
قامت فرنسا بنشر قوة عسكرية مؤلّفة من 6000 أو 7000 جندي لحماية هذا النظام. وتمّ الاتفاق على إرسال قوات إضافية عسكرية من الدول الأخرى. ووُصِفَ التدخل الفرنسي آنذاك "بالتدخل الإنساني"! تمركز فيلق المشاة الفرنسي في سورية منذ آب 1860 وحتى حزيران 1861. وسمّيت "بقوات حفظ السلام"!
قاد فؤاد باشا، حملة اعتقالات بحق المتورّطين في المذابح ضد المسيحيين... فأعدم وحكم ونفى حوالى 640 شخصاً... وكان بعض المحكومين من كبار موظفي الدولة في الشام.
أدّت المجازر إلى انهيار اقتصاد جبل لبنان وانهيار صناعة الحرير والمنسوجات في دمشق، وقُدِّرَت مجمل الخسائر بنحو أربعة ملايين ليرة ذهبية.
بين 29 و31 أيار 1860، تمّ تدمير 60 قرية في محيط بيروت وامتدت الاضطرابات إلى صيدا وحاصبيا وراشيا ودير القمر وزحلة. بين 9 و11 تموز 1860، تمّ قتل 10000 مسيحي في دمشق بالتواطؤ مع واليها ومع العسكر العثماني؛ كما تمّ تدمير 380 قرية و40 ديراً و560 كنيسة. وفي أواخر تموز 1860، أعلن نابوليون الثالث عن رغبته في "الدفاع" عن مسيحيي سورية! كما أعلن عن نيّته إرسال قوات عسكرية إلى سورية.
"في 11 آب 1860، نشرت صحيفة نيويورك ديلي تريبيون: حاول الفرنسيون إثارة اصطفافات سياسية – دينية على الساحل السوري. وذلك تعبيراً عما فعله القنصل الفرنسي في بيروت من أعمال استفزازية؛ وقد تورّط الفرنسيون أيضاً في ما حدث من أعمال دموية في سورية.
وفي 5 أيلول 1860، تمّ توقيع اتفاقية بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والنمسا وبروسيا وتركيا تحدّد حجم القوات المحتلّة الفرنسية ب 12000 جندي في سورية لمدة 6 أشهر فقط. حاول نابوليون الثالث التملّص من هذه الاتفاقية وإبقاء جنوده بحجة أن الوضع غير مستقر في سورية. لكنّ بريطانيا والنمسا قامتا بتهديده بشنّ حرب ضد فرنسا، فاضطرّ إلى سحب قواته في 5 حزيران 1861. بعد ذلك، انهار نظام القائمقامية المزدوج وأصبح ثمة متصرّف أو حاكم يتمّ تعيينه مباشرةً من الباب العالي في لبنان: متصرّفية جبل لبنان".
(Lutsky, Vladimir Borisovich, Modern History of the Arab Countries, 1969: Chapter IX: Lebanon, Syria and Palestine in the Period of the Tanzimats (1840-70).
https://www.marxists.org/subject/arab-world/lutsky/ch09.htm).