كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حقائق غائبة عن تاريخ والدي الرئيس الشهيد أديب الشيشكلي

وفاء الشيشكلي

كثيراً ما أقرأ مقالات وتعليقات وأشاهد مقابلات حول والدي الرئيس أديب الشيشكلي، وأشعر أنها لم تُوفه حقه في التقدير، ولم ترافقها النظرة المنصفة لما كان عليه في الواقع من وطنية وإخلاص لبلاده. وأجد من واجبي الوطني والعائلي أن أوضح بعض الحقائق التوثيقية لمن يبحث عن الحقيقة مجردة من التزييف:

١– موقف الشيشكلي من السلام والتطبيع مع إسرائيل:

يُشاع أن الشيشكلي سار في طريق السلام الدائم، والحقيقة أنه كان يسعى فقط لـ"هدنة ووقف قتال" مسابقاً الزمن في تجهيز وتسليح الجيش السوري. ويذكر المؤرخ "سامي المبيّض" في كتابه "غرب كنيس دمشق" تفاصيل لقاء الحدود في ٢٩ آذار/مارس ١٩٥١م، عندما سأل الكولونيل الإسرائيلي "مردخاي ماكليف" الشيشكلي: «هل يمكننا التوصل إلى سلام يوماً ما؟» فأجابه أديب الشيشكلي بثبات: «طبعاً.. ولكن السلام بالنسبة لي لا يعني تطبيع العلاقات ولا رفع علم إسرائيل في دمشق، إنما هو مجرد وقف للأعمال القتالية».

وفي لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي "جون فوستر دالاس" في ١٦ أيار/مايو ١٩٥٣م، قال الشيشكلي بوضوح: «نعترف أن إسرائيل أمر واقع، ولا نريد السلاح لنلقي بإسرائيل في البحر، بل نريد السلاح حتى لا تلقينا إسرائيل في البحر، ونأمل أن تعاملنا واشنطن على قدم المساواة».

وأضاف: «إن إسرائيل قد أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة وإن تحديها للقرارات الأخرى المتعلقة بفلسطين ينزع عنها تلك الشرعية الدولية».

٢– الإدعاء بعمالة الشيشكلي للغرب:

إن الزعم أن الشيشكلي كان عميلاً للولايات المتحدة الأمريكية أو لغيرها، حسب تصريحات بعض رؤساء الأحزاب السوريين آنذاك، ينهار تماماً بعد الاطلاع على محاضر اجتماعاته مع "جون فوستر دالاس" وزير الخارجية الأمريكي وسفيره "جيمس موس" إلى سورية، التي أورد تفاصيلها كتاب "أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيّبة"، ففيها أكد الشيشكلي أن سورية لا تستطيع المشاركة في ما سمي "الخطة الموحدة" التي اقترحتها الولايات المتحدة إلا بعد أن يتم تنفيذ قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين كلها، وهي عودة اللاجئين واتفاقية الهدنة وتدويل القدس، كما رفض رأي السفير بأن كلاً من الخطة الموحدة والمساعدة الاقتصادية المعروضة مفيدتان لسورية، معلناً بأن المستفيد الرئيسي من تلك الخطة هو إسرائيل بينما سورية لن تستلم شيئاً بشكل فعلي. وتابع الرئيس السوري ليقول: «إن ربط الخطة الموحدة بالمساعدة الاقتصادية لسورية والتي سميت بالنقطة الرابعة يبدو أنه يبـيّن أن الإدارة الأمريكية الحالية في واشنطن خاضعة للنفوذ اليهودي كما كانت أيام رئاسة ترومان».

٣– أسطورة قميص حسني الزعيم الملطخ بالدماء:

سُئلت كثيراً عن حقيقة حمل الشيشكلي لقميص "حسني الزعيم" إلى أرملة "أنطون سعادة" من أجل التشفي في مقتله، والحقيقة التاريخية أن الشيشكلي لم يشارك في انقلاب "سامي الحناوي" ولم يكن في دمشق أصلاً. يذكر الضابط "محمد معروف" أنه بعد الانقلاب بحث عن الشيشكلي فوجده في قريته بريف حماة بعد أن كان الزعيم قد سرحه من الجيش. ومن غير المنطقي أن يؤيد الشيشكلي إعدام حسني الزعيم ورئيس وزرائه "محسن البرازي" (الذي هو في الأصل ابن خال أديب الشيشكلي)، وهو الذي عفا لاحقاً عمن حاولوا اغتياله وتخلى عن السلطة حقناً للدماء.

٤– أحداث جبل العرب وتفنيد الإشاعات:

ما تردد عن قصف جبل الدروز بالطائرات والدبابات هو محض افتراء وتضخيم إعلامي. وأستشهدُ بما ورد في كتاب "أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيّبة" عن شهادات ضباط عاصروا الأحداث، وفي مقدمتهم الضابط البعثي وأحد أبرز خصوم الشيشكلي "عدنان حمدون" الذي تحدث بإسهاب عن المؤامرة الخارجية للإطاحة بالنظام، وعن السلاح والأموال التي تدفقت للجبل عبر الأردن والعراق. كما تؤكد تقارير قائد درك السويداء "عادل بغدادي" (باليوم والساعة) أن من بدأ الاعتداءات هم أهالي الجبل، وأن أول القتلى كان من أفراد الجيش السوري.

وكانت جماعة "منصور الأطرش" قد بدأت بالاعتداءات المتكررة على الدولة ومخافر الشرطة في الجبل، فردت الدولة باستخدام حقها المشروع في فرض القانون وحماية المجتمع في تكريسٍ لمفهوم الدولة الحديثة التي تحتكر السلاح بدلاً من الإقطاعيات العشائرية.

٥– حرب ١٩٤٨م وسقوط صفد:

لقد قاتل الشيشكلي في صفوف "جيش الإنقاذ" في فلسطين وأبلى بلاءً حسناً مع رفاقه، إلا أن سقوط مدينة صفد كشف له حجم المؤامرة والخيانة في عواصم المنطقة. يذكر الضابط "حسين الحكيم" أنه رأى الشيشكلي في حالة حزن شديد وهو يقول: «يا لها من مؤامرة دنيئة شارك فيها حكامنا عن جهل وغباء، ثم يلقون باللائمة على الجيش». كانت تلك اللحظة هي التي غيّرت مجرى تفكيره، ليدرك أن المعركة الحقيقية تبدأ من بناء وتطهير الجبهة الداخلية أولاً.

٦– حكاية "عويشق":

حين كان الشيشكلي يحارب الشيوعية ويتصدى لأتباعها كبحاً للمؤامرات التي كانوا يحيكونها ضده، حدثت قصة طريفة مع شقيقي "إحسان" والتي تدل على مدى تسامح ورحابة صدر أديب الشيشكلي. ففي عام ١٩٥٢م حدثت اضطرابات وأعمال شغب كان وراءها الشيوعيون، فأصدر المكتب الثاني قائمة باعتقال بعض القادة، ومن بينهم "جورج عويشق" مدرّس أخي إحسان في مدرسة الآسية والذي كان يحترمه ويحبه، فأسرع إحسان لتحذير أستاذه وعرض عليه أن يقضي تلك الليلة في غرفة بيته الملاصقة لغرفة والده، فكان ذلك.

وفي اليوم التالي ذهب جورج عويشق لمكتب الشيشكلي طالباً مقابلته، وحين دخل عليه حيّاه وسأله: «لماذا تريد اعتقالنا؟» فأجابه الشيشكلي: «لأنكم متورطون في مؤامرة لاغتيالي» فأجابه عويشق: «قضيت ليلة البارحة بجوار غرفتك، ولو أردت قتلك لفعلت».

فوجئ الشيشكلي وحين تأكد من الرواية ضحك وطلب الكف عن ملاحقة العويشق. أكدت تلك القصة السيدة "كوليت خوري" نقلاً عن والدها "سهيل فارس الخوري" حين كان في زيارة للشيشكلي عندما دخل عليهم عويشق بصحبة "عدنان المالكي"، وتفاصيل القصة مذكورة في كتاب "أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيّبة".

٧– العصر الذهبي والتنازل عن السلطة:

لقد سيطر خصوم الشيشكلي على الفضاء الإعلامي بعد استقالته وخروجه من البلاد، ورسموا له صورة "الدكتاتور" بهتاناً. تناسوا أنه تنازل عن السلطة طواعية ورحل عن البلاد كي لا تُسفك قطرة دم سورية واحدة، وتناسوا عفوه عمن حاولوا اغتياله (أمثال عدنان المالكي وأمين رويحة). لقد شهدت سورية في عهده نهضة اقتصادية ومؤسساتية وتنظيمية وحماية لليرة السورية جعلت تلك الفترة تُعرف بحق بـ"العصر الذهبي".

سيبقى التاريخ المنصف يذكر أديب الشيشكلي رجلاً وطنياً، عاش بشرف، وتخلى عن الكرسي حقناً للدماء، واستُشهد غدراً وهو يحمل همّ وطنه.

عن/ بسام برازي

من كتاب: "أديب الشيشكلي.. الحقيقة المغيّبة"

يوسف العظمة وحكاية الصمود
الاستسلام "المشرّف" والاستسلام المذلّ
محطات من حياة القنصل تحسين الفقير.. المرحوم المحامي عيسى سلامة 1916 - 1997
حقائق غائبة عن تاريخ والدي الرئيس الشهيد أديب الشيشكلي
سجن المزة العسكري في ذكرى إغلاقه
قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة عن سوريا إلى الدورة العادية الثامنة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان بتاريخ 8 أيلول 2026
بحث الكتلة الوطنية السورية في مجزرة العام 1860م في سوريا.. "المجزرة التي غيرت تاريخ سوريا"
من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات
في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان
القصة شبه الكاملة لاغتيال اللواء محمد عمران
كوميديا المأساة.. لقاء السجين مع السجان
مزارعو الحقد والحوراني وجهاً لوجه
استعادة.. بمناسبة صدور الجزء الأول من مذكراته عبد الحليم خدّام حين اتهمَنَا.. بالعَمَالة!
حين تضيق الحياة.. حكايات من سجن المزة
عام 1965م بذور الخلاف بين القيادتين القومية والقطرية للبعث في سوريا