كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محطات من حياة القنصل تحسين الفقير.. المرحوم المحامي عيسى سلامة 1916 - 1997

كتب الدبلوماسي السوري الصديق تحسين الفقير النص التالي عن الأمين المحامي عيسى سلامة:

“محطات من حياتي”:

نشرت بتاريخ ،27 / 10 /2024

محطات من حياتي رقم (68)

المرحوم المحامي عيسى سلامة 1916 - 1997

عميد الخارجية في الحزب السوري القومي الإجتماعي في لبنان- سابقاً

“خلال خدمتي بالقنصلية السورية في الريو دي جانيرو البرازيل 1987 - 1990 برفقة الأخ والصديق المرحوم السفير ديب أبو لطيف.. كنا نُصدر مجلة متواضعة بعنوان "وطني” كنا نطبعها بواسطة الفتوكوبي بالأبيض والأسود مناصفة باللغة العربية والبرتغالية.. وفيما سبق كنا نوزع الصحف التي تصلنا بالبريد الدبلوماسي على أفراد الجالية لمنازلهم ومحلات عملهم ونظراً لعدم تغطية العدد الكبير، فكانت تلك المجلة تحقق أكبر غاية ممكنة بالتواصل مع أبناء الجالية السورية حتى أنهم أصبحوا يُسمونها (حمامة القنصلية) ووصل عدد طبعها إلى 500 نسخة شهرياً؛ وكنا ننشر فيها بعض الاخبار السياسية والاجتماعية والتاريخية والسياحية، ونجري مسابقات للتواصل معهم..

وخلال تواجدي بالريو تعرفت على بعض الأصدقاء من الجالية وكان هناك صديق مُقرّب مغترب من فترة يدعى نظام سلامة وبأحد الأيام أتصل بي وقال عندي ضيف من الأرجنتين وطلب اللقاء بك ودعاني لزيارته في المساء لألتقي به أول مرة وهو المرحوم عيسى سلامة.

وبعد أن رحب بي قال لي أنه بإحدى نسخ مجلة وطني التي وجدها عند ابن أخته نظام قرأ مقتطفاً منشوراً بعبارة:

منا من آمن بالله بالتوراة

منا من آمن بالله بالانجيل

منا من آمن بالله بالقران..

وبعتابه قال كيف تقعوا بمثل هذا الخطأ الكبير..؟!

أجبته نحن من ضغط العمل نقتبس بعض ما يُنشر بالصحف والمجلات وما نشرناه نقلا من تلك المصادر.

رد علي لا يجوز تحريف قول مأثور وهام..

مُسجل للسيد أنطون سعادة

وها هو كما نطق به للمعلومات والتصحيح:

"كلنا مسلمون لرب العالمين،

منا من أسلم لله بالقران و

منا من أسلم لله بالإنجيل و

منا من أسلم لله بالحكمة.

وليس لنا من عدو يقاتلنا

في ديننا وأرضنا وحقنا

إلا اليهود."

أنطون سعادة

أجبته رحمه الله وسأحاول استدراك هذا الأمر في عدد لاحق بمجلة وطني

في لقاء لاحق مع المرحوم عيسى سلامة حدثني عن جزء من حياته.. وقال أنه متفرغ لمتابعة هوايته وخبرته المنفرد بها بجمع الكتب التاريخية فهو من خلال الورق يُقدر عمر الكتاب وقيمته التاريخية طبعاً بعد عنوان الكتاب واسم مؤلفه.

وأنه يقوم بالبحث في الأرجنتين والبرازيل وأمريكا اللاتينية عن كبار السن وأولاد الذين توفوا منهم ويعرض عليهم أخذ الكتب القديمة أو شراءها لما تحمله من زمن مضى عليها وتحوي قيماً تاريخية، فأغلب ورثة الأبناء لآباءهم بالمغتربات لا يدركون تلك القيم، والبعض يرميها بالمستودعات أو يرميها.. وهكذا جمع كماً كبيراً من كتب مرّ عليها سنوات وسنوات وفُقِدَ أمثالها من المكتبات بالوطن العربي.

وأنه أهدى السفارة السورية في بوينس آيرس بالأرجنتين آلاف الكتب بقصد إرسالها لمكتبة الأسد بدمشق إلّا أنهم أبلغوه صعوبة إرسالها بسبب إرتفاع كلفة الشحن ويتأسف لوضعها بمستودع السفارة بظروف ومناخ لا يضمن سلامتها وتقدير قيمتها التاريخية، وتابع أنه عندما تواصل مع المعنيين في سورية والسماح له بزيارة القطر كونه ممن غادروا بظروف سياسية صعبة عقب اغتيال العقيد عدنان المالكي وأنه كان يشغل منصب مسوؤل العلاقات الخارجية للحزب القومي السوري في لبنان حيث زار سورية وخلال زيارته لدمشق استقبلته نجاح العطار وزيرة الثقافة آنذاك وطرح معها نقل ما يملكه من كتب تاريخية قيمة من مرمريتا أهداء لمكتبة الأسد (مكتبة الشعب بعد التحرير) وبعد الموافقة على استلام تلك الكتب والتي كانت مفاجأة للجميع بأن توقفت ثلاثة سيارات شحن تحمل كتب مهداة من عيسى سلامة للمكتبة، وتقديراً لقيمة تلك الكتب التاريخية وكميتها تم تخصيص جناح بمكتبة الأسد (مكتبة الشعب بعد التحرير) مخصصاً باسم المغترب عيسى سلامة.

وروى لي قصة ذات عبرة:

أنه في إحدى معارض الكتب في مدريد باسبانيا كان هناك مزاد لبيع نخبة من الكتب التاريخية القيمة.

وقعت عينه على كتاب دخل في مزاده والذي بدأ بمئة دولار ويتصاعد من هنا وهناك ليصل به الأمر يتجاوز الألف دولار.

ومع شخص وحيد بدأ بمزايدته حتى وصل به الأمر لمبلغ 2500 دولار أمريكي وحصل على الكتاب، فهناه ذاك الشخص وقال له مبروك، والغريب بالأمر أنه عندما وصل لوبي الفندق وجد الشخص نفسه قد سبقه وينتظره مستقبلاً إياه بابتسامة ماداً يده للسلام والمصافحة وناطقاً ببعض الكلمات باللغة العربية فيما كان الحوار معه بالمعرض باللغة الإسبانية وبادره بالحديث ماذا تستفيد من اقتناء مثل هذا الكتاب، فأنت عربي وليس لكم تقديراً للكتب النفيسه. رد عليه هذا الكتاب لو زايدت عليّ لثلاثين ألف دولار لما تركته لك.

فقال له لولا لفت أنظار الحضور لقيمة هذا الكتاب وتقديره والبحث عن مثيل له لما تركته لك مهما بلغ سقف المزاد، لكني أحببت أن أغلق المزاد كي لا ألفت النظر له، وهنا كم تُريد ثمنه لتتنازل لي عنه؟ أجابه حتى لو دفعت ما قلت ثلاثين ألف دولار، فلن أدعك تأخذه مني..

وليعود للحديث معه بالاسبانية ويعلمه أنه سبق للمختصين في إسرائيل بجمع كل نسخ هذا الكتاب من الأسواق لما يحتويه من معلومات وأنه ينصحه بالاحتفاظ به بمفرده أو يبيعه له بما يرغب من ثمن..؟!

وليعلم لاحقاً أن هذا الشخص الذي بارزه بالمزاد وقابله في الفندق هو الملحق الثقافي الإسرائيلي في مدريد.

وعندما تركته يروي قصته لنهايتها، سألته ممكن التعرف على عنوان ذاك الكتاب؟.. أجاب: (تاريخ النقد العبري) المقصود تاريخ العملة العبرية أيام زمان.

وكان هذا الكتاب من الكتب المفرده التي قُدمت باليد هديه للدكتورة نجاح العطار بدمشق للاحتفاظ به في مكان آمن بمكتبة الأسد.

وعلمت لاحقاً بأن الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة أقامت احتفالاً رسمياً للسيد عيسى سلامة ومنحه وسام الثقافة تقديراً لما أغنى مكتبه الأسد (مكتبة الشعب بعد التحرير) من كتب قيمة.

وتطالعني الأخبار لاحقاً بوفاته رحمه الله عام 1997 عندما كنت أخدم بالسفارة في واشنطن.

أعود للأخ والصديق نظام سلامة رجل الأعمال بتجارة الأقمشة بالبرازيل وتوزيعها على المدن والولايات البرازيلية حيث علمت انه من أكثر من عشرين سنه لم يزر سورية بسبب التخلف عن العسكرية، وكان في تلك الفترة السماح للمطلوبين لخدمة العلم من المغتربين التقدم بطلب لزيارة القطر عن طريق البعثات السورية وتُحال للجنة العليا للمغتربين بالقيادة القومية، فكنا ندرج أسماء الراغبين بالزيارة ونرسلها بالحقيبة الدبلوماسية بجداول تعود الموافقة برفع برقية لشعب التجنيد والحدود والمطارات بعدم التعرض لهؤلاء المغتربين أثناء دخولهم للقطر وخروجهم والعودة لبلد الاغتراب.

أدرجت اسم الأخ نظام بإحدى القوائم وردت الموافقة وحجز بقصد زيارة الأهل في سورية.

قبل سفره بأيام طلبت رقم هاتف أهله بمرمريتا واتصلت بهم دون علمه، وأخبرتهم أن الأخ نظام خلال أيام سيصل لعندكم وكما تعرفون أنه ما زال أعزباً ولديه رغبه بالزواج من سورية، فرجائي منكم أن تُحضّروا له أربع صبايا أو خمس لينتقي منهن، وإني أعرفه إذا لف ودار على كُثر بالمنطقة فقد لا يجد ضالته من الصبايا، فسألوني مين حضرتك أجبتهم أنا صديق له نائب القنصل، وأخبرتهم كما فهمت منه أنه متردد في النزول خوفاً من أخذه للجيش عند وصوله لسورية وأني طمأنته. فقام الأهل هناك بإعلام وهيب الفاضل وزير رئاسة الجمهورية صديق العائلة بتلك المناطق عن خوف نظام عند حضوره لسورية.

وعندما وصل الأخ نظام لمطار دمشق وهو ينزل على سلم الطائرة وجد أحد مرافقة الوزير وهيب يحمل اسمه دون أن يعرفهم، وبعد أن نزل لمنتصف الدرج عاد للطائرة وقال للمضيفه ليس لدي الرغبة بالمتابعة وأرغب بالعودة، كيف بدي أعمل؟ قالت له يجب أن تدخل المطار وتبحث عن رحلة لطائرة أخرى.. تشجّع ونزل ليجد بأن من خاف منهم جاؤوا لاستقباله ومساعدته لحين وصوله للأهل بقاعة الانتظار، عندها أطمئن قلبه ورافق الأهل وأمضى فترة معهم ليتصل بي ويخبرني أنه تزوج من أول واحدة حضّرها له الأهل وكانت تحمل شهادة الصيدلة وعاد معها للبرازيل واستقر بالعاصمة برازيليا، وانقطعت الاخبار معه، إلّا من اتصال هاتفي كل بضع سنوات لأتفاجأ بأحد الايام ان التلفزيون السوري ينقل حفلاً لعائلة من المغتربين في البرازيل وفيها صبايا يرقصن ويحتفلن أمام كميرا برنامج مع العائلات السورية في المغترب، ولما وصلت الكميرا لرب المنزل فإذا بالأخ والصديق نظام والد الصبايا اللاتي كن يرقصن على اغاني سورية.

ولاعاود الاتصال به في اليوم التالي وأطمئن عن صحته وأخباره ويروي لي كم ولد صار عنده ونستذكر أيام زمان.

سنحت لي الفرصة الذهاب إلى البرازيل وللعاصمة برازيليا، وأسأل عنه وليخبروني النبأ المحزن أنه توفي من فترة وأن زوجته السيدة تهاني هنا، فقمت بالاتصال بها وقدمت العزاء لها رحبت بي بحرارة وأخبرتها أني عرّاب زواجها من نظام وكم كان قريب مني بالريو دي جانيرو أيام زمان. دعتني لزيارتها وحددت موعد للتعرف على الأولاد، ولكن للأسف لم تعد ترد على الهاتف وشبه اعتذرت عن اللقاء بي بصورة غير مباشرة عندما أعلمها أحدهم (موقفي الذي اتخذته بانشقاقي عن النظام البائد)

فصرفت النظر عن التواصل".

صفحة أسامة سلامة

يوسف العظمة وحكاية الصمود
الاستسلام "المشرّف" والاستسلام المذلّ
محطات من حياة القنصل تحسين الفقير.. المرحوم المحامي عيسى سلامة 1916 - 1997
حقائق غائبة عن تاريخ والدي الرئيس الشهيد أديب الشيشكلي
سجن المزة العسكري في ذكرى إغلاقه
قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة عن سوريا إلى الدورة العادية الثامنة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان بتاريخ 8 أيلول 2026
بحث الكتلة الوطنية السورية في مجزرة العام 1860م في سوريا.. "المجزرة التي غيرت تاريخ سوريا"
من التغيير في المؤسسات إلى التغيير بالمؤسسات
في ذكرى مغادرة القوات الفلسطينية للبنان
القصة شبه الكاملة لاغتيال اللواء محمد عمران
كوميديا المأساة.. لقاء السجين مع السجان
مزارعو الحقد والحوراني وجهاً لوجه
استعادة.. بمناسبة صدور الجزء الأول من مذكراته عبد الحليم خدّام حين اتهمَنَا.. بالعَمَالة!
حين تضيق الحياة.. حكايات من سجن المزة
عام 1965م بذور الخلاف بين القيادتين القومية والقطرية للبعث في سوريا