قراءة في تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة عن سوريا إلى الدورة العادية الثامنة والأربعين لمجلس حقوق الإنسان بتاريخ 8 أيلول 2026
مروان حبش
التقرير بوصفه وثيقة سياسية وحقوقية، لا يكتفي بوصف الانتهاكات، بل يرسم شروط الانتقال السوري.
واللجنة ترى أن سوريا دخلت فعلاً مرحلة انتقالية ذات فرص حقيقية، لكنها شديدة الهشاشة.
والانتقال السياسي لا يصبح انتقالاً مستداماً بمجرد تغيير السلطة أو المؤسسات، وإنما عندما تتغير قواعد ممارسة السلطة نفسها: العدالة، سيادة القانون، المساواة، المحاسبة، حماية الأقليات، الحريات العامة، وإصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية.
أولاً: التقرير إيجابي تجاه الاتجاه العام، لكنه شديد التحفظ تجاه النتائج. وإن العلاقة بين اللجنة والحكومة الجديدة ليست علاقة اتهام شامل أو قطيعة، وإنما علاقة رقابة وتحقيق ومشورة في الوقت نفسه.
ويرفض التقرير ضمنياً فكرة أن حسن النوايا السياسية أو التعاون الدولي يكفيان. فهو يعود مراراً إلى السؤال الأصعب: هل تتحول التصريحات والوعود إلى مؤسسات وقوانين وممارسات قابلة للقياس؟
وهنا تكمن جدية التقرير.
ثانياً: أكبر تحدٍ داخلي هو الانتقال من "تغيير السلطة" إلى "تغيير الدولة"
يبدو أن اللجنة تنظر إلى المرحلة السورية باعتبارها فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة، لكنها ترى خطراً في إعادة إنتاج بعض أدوات الماضي بأسماء جديدة. وأبرز مثال على ذلك هو الاحتجاز.
التقرير لا يتحدث فقط عن إرث أجهزة الأمن السابقة، بل يشير إلى احتجاز آلاف الأشخاص على خلفية مزاعم ارتباطهم بالمؤسسات العسكرية والأمنية في عهد الأسد، ويطالب بمراجعة قانونية لأوضاعهم وإبلاغهم بالتهم الموجهة إليهم وتمكينهم من الدفاع القانوني. وهذا مبدأ جوهري.
فالعدالة الانتقالية لا تعني، بحسب المنطق الذي يطرحه التقرير، استبدال فئة من الضحايا بفئة أخرى أو تحويل الانتقام إلى سياسة دولة.
بمعنى آخر: سقوط النظام السابق لا يمنح الدولة الجديدة حق ممارسة الاعتقال بلا محاكمة. وهنا يبرز مفهوم بالغ الأهمية في التقرير: المساءلة غير الانتقائية.
ثالثاً: المساءلة الانتقائية هي أحد أخطر التحذيرات في التقرير
ربما تكون هذه أهم رسالة سياسية داخلية في التقرير.
تطالب اللجنة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن الجهة التي ينتمون إليها.
وهذا يعني أنها ترفض نموذجاً للعدالة الانتقالية يقوم على: محاسبة جرائم النظام السابق فقط، والتغاضي عن الجرائم التي ارتكبتها قوى أو جماعات أخرى.
وفي الوقت نفسه ترفض الاتجاه المعاكس أيضاً: استخدام الجرائم الجديدة لتبرئة الجرائم القديمة.
المنطق هنا قانوني وسياسي في آن واحد: لا يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية إذا شعر جزء من السوريين أن القانون يطبق عليهم وحدهم، وأن ضحاياهم أقل قيمة من ضحايا غيرهم.
وهذا يفسر تركيز التقرير على الانتهاكات التي طالت العلويين، والدروز، والبدو، والشيعة، وغيرهم، وهذه نقطة تحسب للتقرير من الناحية الموضوعية: فهو لا يحصر مفهوم الضحية في هوية سياسية واحدة.
رابعاً: السويداء تمثل في التقرير اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على إدارة التنوع
التقرير يعطي السويداء مساحة كبيرة، وهذا ليس عرضياً. فالمشكلة، في نظر اللجنة، لم تعد مجرد حادث أمني أو نزاع محلي، وإنما أصبحت أزمة ثقة بين المركز والمحافظة، تتداخل معها قضايا الأمن والهُوية والتمثيل والملكية والنازحين والتدخل الإسرائيلي. والأكثر دلالة هو أن التقرير لا يلقي المسؤولية كلها على طرف واحد.
فهو ينتقد الانتهاكات، وتأخر المساءلة، والمشكلات المتعلقة بالمفقودين والمحتجزين، لكنه في الوقت نفسه يطالب السلطات المحلية في السويداء باحترام حرية الحركة والتعبير وحق النازحين في العودة.
هذه نقطة مهمة جداً؛ لأنها تعني أن اللجنة لا ترى الحل في إطلاق يد المركز، ولا في ترك المناطق المحلية تتصرف خارج إطار الدولة والقانون.
الحل الذي تقترحه ضمنياً هو: دولة واحدة + قانون واحد + ضمانات حقوقية للجميع.
خامساً: التقرير يرى أن الطائفية ليست مجرد مشكلة أمنية، وإنما خطر على مستقبل الدولة
من أخطر ما يورده التقرير حديثه عن الانتهاكات ذات الطابع الطائفي، وعن الخوف والتهميش وخطاب الكراهية والتهديدات.
وهنا ينتقل التقرير من توثيق الانتهاكات إلى قراءة آثارها المستقبلية. فالخطر ليس فقط أن يُقتل شخص أو تُصادر ملكية أو يُعتقل فرد، الخطر الأكبر أن يؤدي ذلك إلى إنتاج جماعات سورية تشعر بأن الدولة ليست دولتها.
وهذا هو الطريق الذي يمكن أن يحول الصراع من صراع سياسي انتهى بسقوط السلطة السابقة إلى صراع أهلي طويل الأمد قائم على الهُويات الجماعية. ولهذا يصر التقرير على المساواة بين المواطنين.
والرسالة هنا واضحة: إذا تحولت العدالة إلى أداة انتقام جماعي، فإن المرحلة الانتقالية ستعيد إنتاج أسباب الصراع بدل أن تنهيها.
سادساً: ملف الملكية قد يكون قنبلة مؤجلة
هذا الملف من أكثر النقاط أهمية في التقرير، رغم أنه أقل إثارة إعلامياً من ملفات القتل والاحتجاز.
اللجنة تتحدث عن: مصادرة ممتلكات. نهب. احتلال منازل. نقل غير رسمي للملكية. نزوح طويل الأمد. مشاريع عقارية جديدة لا تراعي حقوق أصحاب الأملاك.
ثم تربط ذلك بالإرث الهائل لمشكلات السكن والأراضي والممتلكات المتراكمة منذ عهد الأسد.
وهذا يعني أن سوريا أمام مشكلة حقوق ملكية ضخمة.
فإذا لم تتم معالجة هذه المسألة قانونياً، فقد تصبح مصدراً لصراعات اجتماعية ومناطقية وطائفية جديدة.
والحل الذي تقترحه اللجنة ليس إعادة كل شيء بالضرورة، وإنما إنشاء عملية طويلة الأمد ومتخصصة لمعالجة هذه الملفات، مع تعويض عادل عندما يستحيل رد الملكية. وهذا طرحٌ أكثر واقعية من محاولة حل ملايين الحالات بقرارات سياسية سريعة.
سابعاً: إسرائيل في التقرير ليست مسألة هامشية، بل أحد عوائق الاستقرار السوري
تعتبر اللجنة أن التوسع العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، يمثل مشكلة خطيرة بالنسبة للمدنيين والسيادة السورية.
كما تشير إلى احتمال ارتقاء بعض الأفعال إلى جرائم حرب، مع التأكيد على خضوع إسرائيل، باعتبارها قوة احتلال في المناطق التي تسيطر عليها، لالتزامات القانون الدولي الإنساني.
لكن من المهم هنا التفريق بين الموقف الحقوقي للجنة وبين القراءة السياسية الأشمل.
التقرير لا يقول إن التدخل الإسرائيلي هو سبب كل أزمات سوريا. بل يضعه باعتباره عاملاً يزيد تعقيد مرحلة انتقالية أصلاً هشة، ولا سيما في الجنوب والسويداء. وهذا تمييز مهم.
ثامناً: اللجنة لا تعفي قوات سوريا الديمقراطية من المسؤولية
من أكثر العناصر التي تمنح التقرير قدراً من التوازن أنه لا يوجه نقده للحكومة السورية وحدها. فهو يحقق في انتهاكات منسوبة إلى قوات سوريا الديمقراطية، ويتحدث عن قتل غير قانوني للسجناء، وعن مدنيين قُتلوا، وعن مقاتلين خارج القتال، وعن تجنيد أطفال.
كما يتناول قضية المخيمات ومراكز الاحتجاز المرتبطة بتنظيم داعش، وينتقد استمرار احتجاز النساء والأطفال دون إجراءات قانونية.
بل إن التقرير ينتقد أيضاً عملية نقل آلاف الرجال والصبية إلى العراق، ويثير مسألة احتمال انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية.
إذن الرسالة العامة هي: لا توجد جهة تتمتع بحصانة أخلاقية أو قانونية بسبب موقعها السياسي.
وهذا مهم جداً في قراءة التقرير.
تاسعاً: ملف داعش يكشف مأزقاً دولياً أكثر منه سورياً فقط
يطرح التقرير قضية بالغة التعقيد: ماذا نفعل بالأطفال والنساء والأُسر المحتجزة منذ سنوات بسبب صلات مزعومة بداعش؟
اللجنة تنطلق من مبدأ أن الأطفال ينبغي معاملتهم بوصفهم ضحايا، وأن احتجازهم يجب أن يكون الملاذ الأخير. لكن المشكلة هنا أكبر من قدرة الحكومة السورية وحدها على الحل.
فوجود أشخاص من عشرات الجنسيات، ووجود أطفال محتجزين منذ سنوات، يجعل الملف مسؤولية دولية مشتركة.
ومن هنا فإن دعوة التقرير الدول إلى إعادة مواطنيها وتأهيلهم ليست مجرد توصية إنسانية؛ إنها محاولة لإعادة توزيع المسؤولية التي بقيت معلقة لسنوات.
عاشراً: الحريات العامة حققت تقدماً، ولكن هناك "إنذار مبكر"
التقرير يسجل اتساع مساحة حرية التعبير والتجمع. لكنه يلاحظ في الوقت نفسه اعتقال نشطاء بسبب انتقاد الحكومة، واستمرار استخدام قانون الجريمة المعلوماتية، وخطاب الكراهية والتهديد ضد النساء والأقليات.
وهنا يقدم التقرير واحدة من أكثر الملاحظات دقة: يمكن للحكومة أن تكون أكثر انفتاحاً من النظام السابق، ومع ذلك، لديها ممارسات قمعية جديدة إذا لم تُصلح البيئة القانونية والمؤسسية.
لذلك فإن إصلاح القوانين القديمة، وخاصة القوانين التي يمكن استخدامها لتقييد التعبير، لا ينبغي أن يكون ملفاً ثانوياً
الحادي عشر: ضعف تمثيل النساء مؤشر على طبيعة المرحلة الانتقالية
الإشارة إلى أن النساء لا يمثلن سوى 10% من مجلس الشعب ليست مجرد ملاحظة رقمية. إنها تعكس سؤالاً أوسع حول من يشارك في صياغة سوريا الجديدة؟
إذا كانت المرحلة الانتقالية يفترض أن تؤسس لعقد اجتماعي جديد، فإن استبعاد قطاعات واسعة من المجتمع سيجعل شرعية المؤسسات الجديدة أقل اكتمالاً. والأمر نفسه ينطبق على الأقليات والمناطق والفئات التي تعرضت للتهميش.
الثاني عشر: يحمل التقرير الحكومة مسؤولية كبيرة، لكنه لا يحملها وحدها
عند جمع عناصر التقرير، يمكن القول إنه يقدم أربع دوائر للمسؤولية:
-الحكومة المركزية: إصلاح القضاء والأمن والقوانين، ضمان المحاكمة العادلة، التحقيق في الانتهاكات، حماية الحريات والمساواة.
-السلطات المحلية والجماعات المسلحة: احترام حقوق المدنيين، حرية الحركة والتعبير، وعدم فرض أمر واقع خارج القانون.
-إسرائيل: وقف الانتهاكات والتوسع العسكري واحترام القانون الدولي وسيادة سوريا.
-المجتمع الدولي: دعم العدالة الانتقالية، إعادة اللاجئين، معالجة ملف داعش، والمساعدة في إعادة بناء المؤسسات.
وهذا يجعل التقرير أقرب إلى خريطة مخاطر للمرحلة الانتقالية منه إلى مجرد تقرير حقوقي عن الانتهاكات.
الخلاصة: ماذا يقول التقرير فعلياً عن مستقبل سوريا؟
إذا اختصرنا التقرير كله في فكرة واحدة، فهو:
سوريا أمام فرصة تاريخية حقيقية، لكن نجاح الانتقال لن يتحدد بسقوط النظام السابق ولا بتشكيل المؤسسات الجديدة، وإنما بقدرة الدولة والمجتمع والقوى المحلية والدولية على منع إعادة إنتاج العنف والتمييز والاحتجاز التعسفي والانتقام الطائفي.
والتقرير يضع سوريا أمام مسارين محتملين:
1-مسار الاستقرار: دولة قانون، عدالة انتقالية غير انتقائية، محاسبة جميع مرتكبي الجرائم، إصلاح أمني وقضائي، حماية الملكية، عودة النازحين، حريات عامة، مشاركة سياسية واسعة وحقيقية، ومعالجة جدية للعلاقات بين المركز والمناطق.
2-مسار إعادة إنتاج الصراع: عدالة انتقائية، انتقام طائفي، إفلات من العقاب، استمرار الاحتجاز خارج القانون، مصادرات ووقائع ملكية جديدة، تضييق على الحريات، صراع بين المركز والمناطق، وتدخلات خارجية تستثمر الانقسامات الداخلية.
ومن هذه الزاوية، فإن أهم ما في التقرير ليس عدد الانتهاكات التي يوثقها، بل التحذير من أن أخطاء المرحلة الانتقالية قد تتحول إلى بنية جديدة للصراع.
واللافت أيضاً أن التقرير لا يتعامل مع "حقوق الإنسان" كموضوع أخلاقي منفصل عن السياسة والاقتصاد وإعادة بناء الدولة. فالملكية، والعودة، والتعليم، والأمن، والقضاء، والتمثيل السياسي، والحريات، والعلاقة بين المركز والمناطق، كلها تظهر في الوثيقة باعتبارها عناصر مترابطة في بناء الاستقرار السوري.
لذلك فإن القراءة الأكثر موضوعية للتقرير ليست: هل هو مع الحكومة السورية الجديدة أم ضدها؟ فهذا سؤال ضيق.
السؤال الأهم هو: هل تستطيع السلطة الجديدة أن تحول الاعتراف الدولي بها والتعاون مع المؤسسات الدولية إلى عقد سياسي وحقوقي جديد، يشعر فيه السوري، أياً كانت منطقته أو طائفته أو موقفه السياسي، أن الدولة أصبحت دولة قانون وليست أداة بيد المنتصر؟
إذا نجحت سوريا في ذلك، فإن كثيراً من المخاطر التي يرصدها التقرير يمكن احتواؤها تدريجياً.
أما إذا بقيت المرحلة الانتقالية محكومة بمنطق "نحن انتصرنا، وبالتالي نحن نقرر من يستحق العدالة ومن يستحق العقاب"، فإن التقرير يوحي بأن المشكلة لن تكون في الماضي وحده، بل في احتمال أن يبدأ الماضي بإنتاج نفسه من جديد بأشكال مختلفة.
وهذه هي الرسالة الأكثر عمقاً ورصانةً في التقرير.