مجازر المماليك بحقّ العلويين
قبل أن ينتهِيَ القرنُ السَّابعُ الهِجري بعشَرةِ أعوامٍ انتهَتِ الحروبُ الصليبيّةُ، وطُردَ الغُزاةُ الإفرَنجُ مِن بلادِ الشامِ ومِصرَ إلى غير رجعةٍ.
فقد سقطَت آخرُ مدينةٍ كان يحتلُّها الصليبيون بِيَدِ المماليك، وهي عكّا في (16 جمادى الثانية 690 هـ/18 أيار 1291م)، ومَن بَقِيَ من الصليبيين استقلّوا سفُنَهم وعادوا إلى أوروبا مدحورينَ مَهزومينَ.
أنهى الأشرفُ خليل بنُ قلاوون الحروبَ الصليبية، واستلمَ الحُكمَ بعدَه أخوهُ محمَّد، فعُزِلَ مرَّتَينِ، ثمّ عُيِّنَ ثالثةً عام (709هـ)، واستمرَّ سلطاناً حتى وفاته عام (741هـ).
وأثناءَ فترة حكمِه الثانية الممتدَّة بين (698 - 708هـ)؛ جرى الاعتداءُ الكبيرُ على العلويين، وعلى فِرق الشيعة جميعها، وتمّ تحريضُ محمَّد بنُ قلاوون على العلويين، فأمر بتجريد حملات عسكرية تشنُّ غارات قاتلة على العلويين، واختار مسرحَ العمليات مكان انتشار العلويين في جبال لبنان لقُربها من دمشق وصفد وطرابلس.
وكان العلويون والشيعة عموماً يقطنون؛ المُنَيطرة والعاقورة ونواحي البترون وعكّار والضنّية وكسروان ووادي التَّيم ومرجعيون.
وكانتِ الحملةُ الأولى عام (702هـ - 1302م). وجرَتِ الحملةُ الثانية عام (706هـ - 1306م).
أمّا الحملةُ الثالثةُ فتمَّت عام (707هـ - 1307م). وكانت نتيجةُ هذه الحملات؛ القتلَ والإفناءَ والتدميرَ وإجلاءَ مَن بَقِيَ من العلويين والإسماعيليين والشيعة عامّةً عن هذه البُقاع مجتمعةً، مِمّا يسَّر الدروز السيطرة على وادي التَّيم بكامله، ومرجعيون، والبقاع.
أمّا الموارنة، فقد حلّوا محلَّ العلويين والشيعة والإسماعيليين في المناطق القريبة من سُكناهُم في الشمال، ثم امتدّوا زاحفين نحو الجنوب - ولم يكن لهم وجود فيه - فحلّوا في المتن وكسروان والمنيطرة والضنّية - التي - جلا عنها العلويون وغيرهم من الشيعة.
وقد ذكر المؤرّخ فيليب حتّي (مؤرّخُ الطائفة المارونية): "تناولَت سياسةُ المماليك الجديدة إعادة توحيد الفِرَق الإسلامية المُنشَقّة وضمّها إلى حظيرة السنّة، وذلك لأنّ بعض هذه الفرق الإسلامية أعانتِ العدُوَّ وهادنَتْهُ [كذا]".
ونسِيَ أن الشعوبية المارونية هي التي كانتِ الدّاعم الأوّل لوجود الصليبيين في الشرق، وهي التي قاتلت إلى جانبهم، وكان منها الأدِلّاءُ والمُرشِدون.
وحينما انتهى الوجود الصليبي هرب الآلافُ من الموارنة غير العرب إلى قبرص، وأسَّسوا فيها جاليَة مارونية ما تزال حتى اليوم. بينما لم يهرُبِ العلويون، أوِ الإسماعيليون، أوِ الشيعة مع بقايا الصليبيين. ولَو كان ما قالَه حقيقةً عن تعاون هذه الفئات الشيعية مع العدو الصليبي لرَحلَت مع فُلولِه، وفعلت مثلما فعل الموارنة في قبرص. ولكنّه التعصُّب وعدَم الدقّة، وعدَم المسؤولية. وقد قتل المماليكُ من الإسماعيلية والنُّصَيريّة والشيعة عدداً كبيراً.
"ويبدو أنهم كانوا أشِدّاءَ أقوياء، وأنّ عددَهُم كان كبيراً في جميع أنحاء سورية".
ويقولُ أيضاً: "كانتِ الحملات العسكرية التي وجّهها الملك الناصر سنة (1302م)، و (1306م)، و(1307م) ضدّ كسروان من أعنف الحملات التي تعرّض لها لبنان، ومن أشدِّها فتكاً وخراباً، وكانت كسروان آنذاك تمتدُّ جنوباً إلى نهر بيروت، وإلى جبل الكنيسة، وإلى جبل صنّين، وكانت تشمل أيضاً منطقة المتن الشمالي والجنوب، وكان سكّانُها قليلاً من الموارنة، واليعاقِبة، والدروز، والشيعة، والنصَيرية.
وقدِ اشترك في هذه الحملات العسكرية جنودٌ من صفد، وطرابلس، ودمشق. وكان القائد العام جمال الدين الأقوش حاكم دمشق، وقد أفتى (ابن تيمية)١، وكان من أعظم فقهاء عصره في سورية (بأنَّ الدروز والنُّصيرية ليسوا مسلمين، وأنهم دون النصارى مرتبة، ويجِبُ إبادتهم).
واشترك ابنُ تيمية في هذه الحملة. وأقوش الأفرم هو الذي قاد الحملة التي أبادَت ودمَّرَت وفتكَت بالنَّفسِ والزَّرعِ والضَّرعِ حِقداً وجَهلاً وتعريضاً من الفقيه الأكبر".
وأورَدَ أبو الفداء عمادُ الدّين إسماعيلُ في تاريخه (المُختصر في تاريخ البشر) حادثةَ إبادةِ العلويين على النحو التالي:
"في عام (705هـ) سار جمال الدين أقوش الأفرم بعسكرٍ دمشقِيٍّ وغيرِه من عساكر الشام إلى جبال الظنِّيِّينَ، وكانوا عُصاة مارقين من الدين، فأحاطَتِ العساكرُ الإسلاميةُ بتلك الجبال المنيعة، وترجَّلوا عن خيولهم، وصعدوا في تلك الجبال من كل الجهات، وقتلوا وأسروا جميع مَن بها من النصبريّين والظنِّيِّينَ وغيرِهم من المارقين، وطهرت تلك الجبال منهم، وهي جبالٌ شاهِقةٌ بين دمشقَ وطرابلس".
ويذكرُ الدكتور سمير عبد العزيز هذه الحادثةَ بعَينها، فيقولُ: "الظنّيةُ كان يسكنها جماعةٌ من النُّصيرية، وقد تعرَّضَ هؤلاءِ السكّانُ في سنة (705هـ) للقتل والأسْر عندما أغار عليهم الأمير جمال الدين أقوش الأخرَم بمعسكر دمشق، والأمير أنسنومر كرجي بمعسكر طرابلس، والأمير سنقرجاه المنصوري بمعسكر صفد، فخرَّبوا ديارَهم، وقتلوا منهم جملة كثيرة".
ويقولُ الشَّيخ محمود صالح (الزلّو) في كتابه (النبأ اليقين عن العلويين):
"في سنة (1305م)، أمر السلطان محمَّد قلاوون (سلطانُ مصر من سلاطين المماليك البحرية) رِجالَه بتسيير حملةٍ عسكريةٍ عظيمةٍ إلى جبال كسروان في لبنان؛ لإبادة الطوائف الشيعية هناك؛ إذ كانوا أصحابَ البلاد آنَئذٍ.
كما فصّله العلّامة (مطران الدبس) في كتابه (دواني القطوف)، حيث يقول:
"ومن جملة مَن فُتك بهم؛ العربُ النُّصَيريّة الذين كانوا في شمال لبنان، ولا سِيَّما في المُنَيطرة والعاقورة ونواحي البترون وعكّار والضنّية، ثم امتَدّوا إلى كسروان قبل سنة (1305م)، وكانوا أشدّاءَ، يُساعِدون إخوانهم في وادي التيم ومرج عيون، والذين تخلَّصوا من الموت من هؤلاء رحلوا إلى الشمال (إلى جهات اللاذقية وأنطاكية)، واعتصموا في جبالها، وبقي القليل منهم في لبنان وعكّار وطرابلس".
إذاً، فمذابحُ عام (705هـ - 1305م) هي التي أنهَتِ الوجودَ العلَويَّ في وادي التيم ومرج عيون والمنيطرة والعاقورة ونواحي البترون والضَّنِّيَّة وكسروان، وهي التي هيّأَتْ للموارنة فيما بعد أن يستولوا على هذه المناطق، ويعيشون فيها حتى اليوم.
بعد هذه المذابح، أبرَزَ المماليكُ للوجود عائلةً تركمانيةً سلَّموها إمارة طرابلس؛ لتُراقِبَ جبل لبنان وساكنيه، وكلّ فئةٍ عربيةٍ تُفكّر بالاستقلال في هذه المناطق. هذه العائلة هي آل سيفا.
وفي عام (717هـ - 1317م)، أصدر السلطان محمَّد قلاوون الذي أجلى العلويين عن لبنان، وفتَكَ بهم فيه، مرسوماً يُحدِّد فيه حدودَ إمارة طرابلس وما أضيفَ إليها من الأعمال والقلاع والخصوم؛ لضبط شؤون الطائفة العلوية - التي نعتَها المرسوم بنعوتٍ ظالِمةٍ وغيرِ صحيحةٍ - ثمّ حرَّم على العلويين خَلطَ ذبائحهم بذبائح أهل السنّة، ومقابرِهم بمقابر السنّة أيضاً.
وفي هذا العام (717هـ) حصلت مذبحةٌ ضدَّ العلويين في جبلة من جرّاء حملة قامت بها السلطة المملوكية. حدثت المذبحة في شهر شوّال وقُتل فيها قائدٌ من قوّاد العلويين اسمه علي، ونُعِتَ بالمُقدَّم.
وفي هذا القرنِ أيضاً، تعرَّض العلويّون للقتل والذبح والتشريد في صافيتا، وكاف الجاع، والمرقب، والقدموس؛ إثرَ حملةٍ عسكريةٍ قام بها مَن يُدعى (مكّة التركي) عام (781هـ ). وفي عام (791هـ) جرَت مذبحةٌ غربي حلب قُتِلَ فيها الكثير من شيوخ العلويين في (راس ماسم)٢. وبعد رحيل الطاغية (تيمورلنك) من بلاد الشام، أقدم سلطان المماليك (جقمق) عام (853هـ) على الإيقاع بالعلويين؛ إذ في عهده انتشر الظلمُ والقهرُ والقتلُ، وتعرَّضَت الرَّعِيَّةُ بكلِّ فئاتها لظُلمِه وعَسفِه.
ويصفُ مؤرِّخٌ علويٌّ هذا السلطانَ ومُعاوِنيهِ بأنّهُم كانوا شديدي الجور، فيقول:
"إنّ الظُّلمَ كثيرٌ على الطائفة العلوية في السواحل البحرية بمعاملة اللاذقية وجبلة، وهرب كثيرٌ من الناس إلى مملكة حلب"٣.
---------------------------------------------
١ ابنُ تيمية: هو تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. ولد في حرّان عام (661هـ - 1263م). وانتقلت عائلته إلى دمشق هرباً من المغول، وعمره ست سنوات. وتعلّم في دمشق، فبَعُدَ صيتُه في المعرفة، وجلس للتدريس والفتوى. اختلف مع علماء عصره، وبخاصّةٍ علماء الشافعية، فمَنَعوهُ من التدريس، وحبسَهُ السلطان محمَّد بن قلاوون في قلعة دمشق، فمات بها عام (728هـ - 1327م)، وأشهرُ كتُبِه: الفتاوى.
٢ كانوا أولاد الشَّيخ وضّاح الجفني الأنصاري ابن الشَّيخِ جامع "المرَيّح".
(تحقيقُ الكاتِبِ زين العابدين رمضان).
٣ الإمام علي والعلويون - ص (159 - 160 - 161 - 162 - 163 - 164)، علي محمَّد الموسى - الطبعة الأولى 2005م - دار الفتاة - دمشق.
من كتاب: (التاريخ إن نطق)، الكاتب:
زين العابدين رمضان - الجزء الثاني 2026م.