المكزون السنجاري وسنجار المعرة
أشدّ ما يؤلم روح المكزون السنجاري أن يُصرّ بعض محبيه على أنه كرديّ الأصل، وأن سنجار التي نُسب إليها هي سنجار شمال العراق!
أليس غريبًا أن يُحكم على المكزون، وإلى الأبد، بالانتماء إلى أقصى الشمال العراقي، مع أن الشواهد التي بين أيدينا تفتح احتمالًا آخر، وهو أن سنجار المكزون كانت في أطراف بلاد الشام، ضمن المجال الجغرافي الذي عُرف بوجود العلويين في الشمال السوري؟
وبالتأكيد سيطالب البعض بالدليل، ولذلك أضع بين أيديكم مجموعة من القرائن التي دفعتني إلى هذه الفرضية:
أولًا:
إن سنجار العراق في العصر الذي عاش فيه المكزون كانت منطقة ذات تركيبة سكانية ودينية مختلفة، بينما كان المكزون عربيَّ النسب، ونسبه مشهور في المصادر التي تناولت سيرته. ومن هنا فإن نسبة المكزون إليها تحتاج إلى شاهد تاريخي صريح، لا إلى مجرد تشابه في أسماء المواضع.
ثانيًا:
لنفرض جدلًا أن المكزون عاش بين سكان سنجار العراق متخفيًا، فكيف يمكن تفسير الرواية التي تتحدث عن جيش كبير جمعه المكزون؟
وهل تسمح التركيبة السكانية والظروف التاريخية لسنجار في العصر الأيوبي بأن تكون مصدرًا لجيش ضخم يُنسب إليه؟
إن مثل هذه الروايات تحتاج إلى قراءة تاريخية وجغرافية دقيقة، لا إلى إسقاط اسم المكان على الشخصية لمجرد تشابه الاسم.
ثالثًا:
في العصر الذي عاش فيه المكزون، نبغ عدد من العلماء والمؤرخين، ومع ذلك لا نجد بحسب ما وقفت عليه شاهدًا واضحًا يربط المكزون بسنجار العراق أو يذكر نشاطه فيها على نحو يثبت هذه النسبة.
رابعًا:
عندما نراجع ديوان الشيخ علي بن منصور الصويري رضوان الله عليه نجد حضورًا لافتًا لعلماء وبلدات من شمال البلاد، ولا سيما مناطق ريف إدلب، مثل المعرة وسرمين وسراقب وكفر جالس.
ومن أبياته:
يا راكبًا فوق علقوم عرندسه
تطوي الفيافي سهولًا ثم أوعار
عرّج إلى النيرب المسمّى بهمته
وقبّل الأرض يمنى ثم أيسار
سراقب القوم منها أصل جدهم
قد أينعت بلدةٌ فيه مع الدار
في كفر جالس همامٌ ساد في أدب
ابن الشرابي عليٌّ اشرب له السار
وأتِ المعرة لا تبغي بها بدلاً
فإن فيها من الأصحاب أنصار
وهذه الإشارات الجغرافية في شعر الصويري تستحق دراسة مستقلة، لأنها تكشف عن شبكة من العلماء والبلدات التي كانت حاضرة في الذاكرة العلمية والدينية للعلويين في شمال بلاد الشام.
خامسًا:
وهنا أصل إلى القرينة الأهم في هذه الفرضية:
هناك بلدة تُعرف باسم سنجار في ريف إدلب، وتتوسط جغرافيًا بين المعرة وسراقب، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بوجود علوي فيها.
وكما عُرف الشيخ علي بن منصور بـالصويري نسبةً إلى صوير، وعُرف آخرون بأسماء بلداتهم، فإن نسبة الشيخ حسن بن مكزون إلى السنجاري يمكن من حيث المنهج أن تُقرأ على أنها نسبة إلى سنجار الشامية، لا إلى سنجار العراق بالضرورة.
والأسماء الجغرافية المتشابهة ليست نادرة في التاريخ، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل توجد سنجار في العراق؟ بل: أيّ سنجار كانت موطن المكزون، وأين توجد الشواهد التي تربطه بها؟
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة تاريخ العلويين في شمال بلاد الشام، ولا سيما مناطق حلب وإدلب والمعرة وسراقب، بعيدًا عن الخرائط الديمغرافية المتأخرة التي تشكلت نتيجة الحروب والمجازر والهجرات والتحولات السياسية.
وقد عُرفت جغرافية الانتشار العلوي تاريخيًا بتقسيمات محلية، منها الديرة الغربية، والديرة الشرقية، والديرة الشمالية، وكانت الأخيرة تشمل مناطق من حلب وإدلب وما حولهما.
لذلك فإنني لا أرى أن نسبة المكزون إلى سنجار العراق قد ثبتت بدليل تاريخي حاسم، بل أرى أن فرضية سنجار الشامية تستحق البحث والتحقيق، وربما تكون أقرب إلى القرائن الجغرافية والشعرية المتاحة.
وهذا رأيي الشخصي، وهو رأي أؤمن به وأعرض أسبابه، ولا أفرضه على أحد.
فالغاية ليست أن ننتصر لرأي، بل أن نقترب من الحقيقة.
سراج العرفان
ملاحظة من فينكس: مضمون المادة أعلاه هو أيضاً رأي الشاعر والباحث السوري الراحل حامد حسن